محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
30
الإنجاد في أبواب الجهاد
شُبرمة ، وسفيان الثوري ( 1 ) . وذُكر عن عطاء ، أن الجهاد إنما كان فرضاً على الصحابة ( 2 ) ، وهذا يحتمل أن يريد فَرْضَ عين ، فلما استقرَّ الشرع ، صار على الكفاية ، ويحتمل أن يذهب بذلك إلى قول من زعم أنه الآن نافلة ، يَعْنُون : بعد فتح مكة . ولم يختلفوا أنَّ الإمام إذا اسْتَنْفَرَ أحداً للغزو ، فإنه يجب ذلك عليه ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : « لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونيَّة ، وإذا استُنْفِرْتُم فانفروا » . خرَّجه
--> = قوله : ناسخة لفرض الجهاد ، أي الجهاد الذي على الأعيان ، فهو على الكفاية إلا إذا احتيج إلى الجميع ، كما ذكر ذلك المصنف - رحمه الله - . وقال الجصاص في « أحكام القرآن » ( 4 / 311 ) : « فحُكِيَ عن ابن شبرمة والثوري في آخرين أن الجهاد تطوع وليس بفرض » . وقال ابن العربي في « أحكام القرآن » - أيضاً - ( 1 / 103 ) : « وقال جماعة من الفقهاء : إن الجهاد بعد فتح مكة ليس بفرض إلا أن يستنفر الإمام أحداً منهم . قاله سفيان الثوري ، ومال إليه سحنون ، وظنه قوم بابن عمر حين رأوه مواظباً على الحجّ تاركاً للجهاد ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا هِجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونيّة ، وإذا استنفرتم فانفروا . ثبت ذلك عنه . وهذا هو دليلنا ؛ لأنه أخبر أن الجهاد باقٍ بعد الفتح ، وإنما رفع الفتح الهجرة ، وذلك لقوله - تعالى - : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } ؛ يعني : كفراً { وَيَكُونَ الدِّينُ لله } . ومواظبة ابن عمر - رضي الله عنه - على الحجّ لأنه اعتقد الحق ، وهو أن الجهاد فرضٌ على الكفاية إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الباقين . ويحتمل أن يكون رأى أنه لا يجاهد مع ولاة الجور . والأول أصح ؛ لأنه قد كان في زمانه عدول وجائرون ، وهو في ذلك كله مُؤْثِرٌ للحج ، مواظبٌ عليه » . وقال الجصاص في « أحكامه » ( 4 / 315 ) بعد كلام : « وهذا يدل على أن مذهب ابن عمر في الجهاد فرض على الكفاية ، وأن الرواية التي رويت عنه في نفي فرض الجهاد إنما هي على الوجه الذي ذكرنا من أنّه غير متعيّن على كل حالٍ في كل زمان » . وانظر : « الناسخ والمنسوخ » لأبي عبيد ( ص 203 ، 206 ) ، « فتح القدير » ( 5 / 189 ) ، « تفسير القرطبي » ( 3 / 39 ) ، « الذخيرة » ( 3 / 385 ) . ( 1 ) ونقل ابن عبد السلام عن سحنون أنه سُنَّة ، وأنكر شيخنا عليه نقله ؛ لكونه غير معروف . قاله البرزلي في « فتاويه » ( 2 / 8 ) . ويُذكر هذا عن ابن دينار - أيضاً - . كما في « فتاويه » - أيضاً - . ( 2 ) مضى ذكره .